الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
264
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والعزيز فعيل من عز إذا قوي ولم يغلب ، وأصله من العزة وقد مر الكلام عليه عند قوله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ [ البقرة : 206 ] وهو ضد ، فكان العلم بأنه تعالى عزيز مستلزما تحققهم أنه معاقبهم لا يفلتهم ، لأن العزيز لا ينجو من يناوئه . والحكيم يجوز أن يكون اسم فاعل من حكم أي قوي الحكم ، ويحتمل أنه المحكم للأمور فهو من مجيء فعيل بمعنى مفعل ، ومناسبته هنا أن المتقن للأمور لا يفلت مستحق العقوبة ، فالكلام وعيد وإلّا فإن الناس كلهم يعلمون أن اللّه عزيز حكيم . ولك أن تجعل قوله : فَاعْلَمُوا تنزيلا لعلمهم منزلة العدم لعدم جريهم على ما يقتضيه من المبادرة إلى الدخول في الدين أو لمخالفة أحكام الدين أو من الامتعاض بالصلح الذي عقده الرسول . وإنما قال تعالى : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ إعذار لهم ، وفيه إشارة إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى اللّه الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح مع المشركين ، لأنه ما أوحاه اللّه إلّا لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين ، لأن اللّه عزيز لا يهن لأحد ، ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها ، ويختار للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالة على عناية اللّه برسوله وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر . وإن كان المراد الدخول في الإسلام أو الدوام عليه فالمعنيّ : ب ( فإن زللتم ) : الاتصاف بما ينافي الأمر بالدخول في السّلم ، والمراد بالبينات المعجزات الدالة على صدق الرسول ، نقل الفخر عن « تفسير القاضي عبد الجبار » دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلّا بعد البيان وأن المؤاخذة تكون بعد حصول البينات لا بعد حصول اليقين من المكلف ، لأنه غير معذور في عدم حصول اليقين إن كانت الأدلة كافية . وفي « الكشاف » روي أن قارئا قرأ هذه الآية فإن اللّه غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره وقال لا يقول الحكيم كذا لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه ا ه وفي القرطبي عن « تفسير النقاش » نسبة مثل هذه القصة إلى كعب الأحبار ، وذكر الطيبي عن الأصمعي قال كنت أقرأ : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه واللّه غفور رحيم ، ويجنبي أعرابي فقال كلام من هذا ؟ قلت كلام اللّه ، قال : ليس هذا كلام اللّه فانتبهت فقرأت أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ المائدة : 38 ] فقال أصبت هذا كلام اللّه فقلت